وسيم خوري في 15 يوليو 2010 - 07:55 ص كتب :
فالإمكانات والقدرة تمنحها الطبيعة للإنسان على ما بيّنا لغاية واضحة هي أن يستمرّ في الحياة، واستمرار الإنسان في الحياة منوط بحصوله على قدر من الحقوق وإلا هلك هذا الإنسان. الطعام والشراب، المأوى، الكساء، الدفاع عن النفس.. الخ هي حقوق طبيعية؟ فماذا تقول فيها؟ هل يصحّ نفيها ؟
يرحمك أبوللو، هذه "حاجات طبيعية" وليس حقوقاً طبيعية، وهذه الحاجات يستوي فيها الإنسان مع سائر الرئيسيات، بل هو إليها أحوج لأن بدنه أضعف وبشرته ألطف.
وسيم خوري في 15 يوليو 2010 - 07:55 ص كتب :
أمّا التفوق "فلا يتمثّل في استغلال الفرص وإنجاحها، أو خلقها" كما ترى. إنك تقفز إلى النتائج وتهمل العلل التي تسبقها. فاستغلال الفرص وإنجاحها، نتيجة تتحقق للمتفوق بفضل (بسبب) القدرات التي منحته إياها الطبيعة كالذكاء والتعقل والدهاء. ومن لم تمنحه الطبيعة ذكاء، لن يستطيع أن يستغل الفرص ليكون متفوقاً.
وأراك تجنح كدأبك إلى قضايا لا تمت إلى موضوعنا الاجتماعي بصلة. نحن يا أخي، نتحدث عن حقوق الإنسان بما هو عضو في خلية اجتماعية، فما شأن علاقته بالطبيعة بهذا الموضوع؟ وما شأن الانتخاب الطبيعي بحياته الاجتماعية؟ وما صلة التنافس بين الأفراد بالحقوق الطبيعية؟
هل نتحدث هنا عن الطبيعة وموقف الإنسان منها، أم نتحدث عن الحقوق الطبيعية للإنسان؟ إذاً فما الذي دعاك إلى التمثل بقول ( بيكون) ؟
التطور يستند للأفراد لا الجماعات، ورؤية الإنسان لنفسه جزءاً من الجماعة ليس سوى خديعة بيولوجية هدفها إدامة النوع بأي ثمن.
ووفقاً للدارونية الاجتماعية، فالإنسان مسؤول عن نفسه في المقام الأول، لأنه يمتلك جهازاً عصبياً يشعر من خلاله بآلامه وسعادته
هو وحده، ولا يشعر بآلام الآخرين ولا احتياجاتهم.
أما عمله لصالح الآخرين فهو يهدف أصلاً لمصلحته هو، لأنه "يسبح في بحر من البشر" بتعبير دوكينز، ولا يمكنه اعتصار منفعته الشخصية إلا من خلال التبادل الإرادي الحر مع سائر البشر.
وسيم خوري في 15 يوليو 2010 - 07:55 ص كتب :
قبل الجواب لا بد من التنويه بخطأ استخدامك للقول المأثور (وهو قول في الأصل لا قيمة له بإضافته إلى قائله المعروف؛ لأنّ قائله كان يستعبد الناس وله الإماء والعبيد) كما أنه لا ينطبق على الحالة التي نحن بصددها "فمساءلة أصحاب القدرة" لا تعني استعبادهم، أو انتهاك حريتهم، بل تعني التحقق من (مشروعية كسبهم) فهناك أصحابُ قدرةٍ، جمعوا ثرواتهم بطرق غير مشروعة، ومن واجب الدولة في هذه الحالة أن تتحقّق من (مشروعية) طرقهم في الكسب، ومن حقّ الأفراد في الصحافة وغيرها من وسائل الإعلام، أن يسألوا: من أين لك هذا؟ وهو يحدث كما تعلم في الدول الراقية.
فأما الجواب على تساؤلك فقد وضح، ولنا أن نضيف إليه أنّ (المقتدر) يعيش ضمن مجتمع يخضع لقوانين تجيز مطالبته بدفع ما يترتب عليه من الضرائب. وطبعاً لا حق للدولة ولا للأفراد في مصادرة ثروته والتدخل في حياته، كما ذكرنا.
القانون المدني، أو العقد الاجتماعي، سمه ما شئت، هو أحد إفرازات الرأسمالية ــ وهو يفترض أصلاً أن "المتهم بريء حتى تثبت إدانته".
ولهذا فإن معظم "الشبهات" غير المدعمة بالأدلة المادية الثابتة، هي مجرد حديث تملأ به صحف الفضائح أوراقها، أو أصوات تجلجل بها أحزاب اليسار في مؤتمراتها.
وسيم خوري في 15 يوليو 2010 - 07:55 ص كتب :
وأنتَ هنا تحوجني إلى تكرار السؤال: ما هي العلاقة التي تربط بين كلامك هذا، وبين القضية التي تعرضنا لها وهي: "...إذا لم يكن الإنسان قادراً على إبداع سلعة تدر عليه أرباحاً، (فهذا يعني عندك) أن لا حقّ له في محاسبة من أبدع هذه السلعة وجنى منها أرباحاً ضخمة تفيض عن حاجته، أو مطالبته بشيء من أرباحه".
ألم ترفض حقّ الفرد وبالتالي حقّ المجتمع في محاسبة الأثرياء؟ فما معنى أن تتغنى ببيئة العمل، ونشاطات الإحسان التي يقوم بها هؤلاء الأثرياء؟
لاحظ أنني قلت قبل قليل "التبادل الإرادي الحر"، بمعنى أنك لا تلزم المالك الثريّ بأن يعطيك شيئاً كإحسان ــ إن لم تكن تعمل عنده طبعاً،
ولكنك تنتظر منه أن يعطيك بإرادته، لأن المال من كسبه وفي ملكه.
وسيم خوري في 15 يوليو 2010 - 07:55 ص كتب :
لماذا التناقض؟ ألا تعلم أنهم لا يقومون بمثل هذه الأنشطة إلا وهم مكرهون؟ يكرههم على ذلك ضغط الدولة والأفراد، والدليل قولك: "أما الأنظمة الرأسمالية، أي الديمقراطيات الليبرالية، فهي تحاسب بشدة "ممثلي الأمة" على أي تصرف مالي غير نزيه ــ ولك فيما حصل في اليابانأ والمملكة المتحدة وألمانيا، في هذا العام وحده، أمثلة واضحة على ذلك" إنك حين تستحسن صنائع الأغنياء، تستحسن بالضرورة الضغط الذي تمارسه الدولة أو الأفراد عليهم؛ لأنه لولا هذا الضغط، لما أقدم الأثرياء على الإحسان.
لا أدري لماذا تكتب وفي عقلك نموذج ديك تشيني ــ هاليبورتون، قمة الاندماج بين الرأسمالي الانتهازي والسياسي المتدين.
أنصحك بأن تنظر إلى نماذج رأسمالية أخرى: كألمانيا، هولندا، اليابان، بريطانيا .. الخ،
يكون الانفصال فيها جليّاً بين شخوص السياسيين وشخوص الرأسماليين، بحيث لا يكون للرأسماليين تأثير شخصي في السياسة إلا بصفتهم ناخبين أو مؤيدين فكرياً (وهو تأثير صفري تقريباً كما أثبت النفسانيون التطوريون).
أما "ممثلو الأمة" في الأمثلة التي ذكرتُ، فكلهم إما يقبض راتباً من الدولة يخص منصبه كنائب برلماني، أو يدير معه
عمله الخاص الذي يعود عليه بالنفع ــ صناعياً كان أو خدمياً أو حتى تربوياً. وبالتالي فأي عمل خارج هذين النطاقين يكون محل تشكيك في نزاهته، والتي هي نزاهة الأمة بالطبع.
لا تنسَ أن معظم رجال الأعمال هناك يعزفون عن السياسة لأن الصحف الجماهيرية ستحاول حرق سمعتهم بأي ثمن، ويفضّلون الانغماس في الاستثمار والتوسيع الذي يعود بالنفع العام على شعبة كبيرة من الناس.
وسيم خوري في 15 يوليو 2010 - 07:55 ص كتب :
والأغرب من هذا أنك ستعلن بعد مدحك للبيئة الراسمالية وللأعمال الخيرية للأثرياء عن رفضك لمبدأ التكافل الاجتماعي.
اقرأ ما كتبتَ: " أنا لا أؤمن بهذا المبدأ الديني/الاشتراكي، لأني أعتقد بأن "من لا يعمل لا يأكل"
فكيف تمتدح مبدأ التكافل الاجتماعي المتحقق في البيئة الرأسمالية، والمتحقق بأعمال الأثرياء الخيرية، ثم ترفضه في نفس اللحظة؟
كما قلت: "
التبادل ــ
الإرادي ــ
الحر"، لا يمكنك إجبار الأثرياء على فعل الإحسان، ولكنهم يفعلونه بإرادتهم ومن تلقاء أنفسهم ــ ولهذا فهو "إحسان" حقيقي، وليس ضريبة أو مكساً أو رياء.
وإن استطاع "التبادل الإرادي الحر" تحقيق مستوى معقول للعائد بالنسبة للأفراد، فهذا المطلب هو قرّة عين الليبرتاريين ــ أنصار الحكومة الصغيرة.
وسيم خوري في 15 يوليو 2010 - 07:55 ص كتب :
فنحن نطالب بمحاسبة أصحاب الثروات، ونجد ذلك عدلاً اجتماعياً، فأما أنت فتعترض علينا بالنهي عن المطالبة "دعك من هاجس الاشتراكية..." (ولا نعلم هنا سبباً لإقحام الاشتراكية في هذه النقطة من الحوار) وبعد أن تنتهرنا تأتي بالذي طالبنا به ودعونا إليه: " أما الأنظمة الرأسمالية، أي الديمقراطيات الليبرالية، فهي تحاسب بشدة "ممثلي الأمة" على أي تصرف مالي غير نزيه ــ ولك فيما حصل في اليابان والمملكة المتحدة وألمانيا، في هذا العام وحده، أمثلة واضحة على ذلك "
كما قلت لك من قبل، فالاشتراكية تؤدي حتمياً إلى الأوليغاركية ــ أي سيطرة رجال السلطة والعسكر على الاقتصاد، كما حصل في عراق صدام ويحصل في مصر حسني. ولهذا فهم يستحقون المحاسبة بأقسى صورها
أما الرأسمالية ففيها صنفان من الرجال، لكلٍ طبيعة تفكيره ومسلك حياته: رجل الأعمال، ورجل السياسة. لا يتحدان إلا في المجتمعات شديدة التدين والتكتل الاجتماعي ــ كالولايات الجمهورية في أمريكا. وهذا هو سبب الفساد في السياسة الأمريكية الحالية، إذ "
السلطة المطلقة مفسدة مطلقة".
بعبارة أخرى: كما أطالب كعلماني متشدد "
بفصل الدين عن حياة الشعب"، أطالب كرأسمالي متحفظ "
بفصل السياسة عن البيزنس".
وسيم خوري في 15 يوليو 2010 - 07:55 ص كتب :
حيث تضرب لنا مثلاً على أنّ الشغيلة ليسوا بائسين ولا مفتقرين، هبّةَ الشطار ونقاباتِ العمال. وبعد أن يأتيك الرد منا، تستدرك فتضيف إليهم عصابات ليست رؤوسها من الشغيلة؛ فآل كابوني ليسوا من الشغيلة وهذا صحيح. ومع ذلك فلن يغيّر هذا من الأمر شيئاً، لأنّ الأفراد الذين يستخدمهم آل كابوني في علمياتهم الإجرامية هم من الشغيلة، ومن الذين لحق بهم الظلم الاجتماعي الناتج من سوء توزيع الثروات الاجتماعية. وهذه ليست نظرة اشتراكية؛ هذه نظرة واقعية.
أنا أعرف جيداً أن زعماء العصابات ليسوا من الشغيلة، ولكن ما يثبته التاريخ أنهم استغلوا نفوذهم في "نقابات العمال" ــ وهي اختراع اشتراكي آخر ــ للضغط على الحزب الديمقراطي الأمريكي لتمرير نشاطاتهم المشبوهة؛ كتهريب الخمور (الممنوعة بالدستور آنذاك) والأسلحة الخفيفة من روسيا عن طريق كندا.
وسيم خوري في 15 يوليو 2010 - 07:55 ص كتب :
فالخدم ومؤدو المهن الثانوية لا شأن لهم بحديثنا. إنهم عمال محترمون – وأنا واحد منهم - يكسبون عيشهم بعرق جبينهم، ولا يطالبون بمصادرة ثروات الأغنياء، ولا يحتجون على تمتعهم بها. وإذا كانوا لا يصنعون المستقبل كما تفضلت، فلا يعني هذا أنهم لا يشاركون في صنع المستقبل.
طبعاً، فالعالم الذي يكتب أفكاره على الورق مدين للعمال الذين أنتجوا الورق والقلم، بشكل أكثر مما يتصور.
وسيم خوري في 15 يوليو 2010 - 07:55 ص كتب :
فأما عبارتك: "أنا ضد معاقبة الضعفاء" فلا توافق مقتضى الحال، ولا تنسجم مع القاعدة التي انطلقتَ منها في البداية،وهي: (لا توجد للإنسان حقوق طبيعية) فإهمالها خير من إثباتها، لأنك بإثباتها ستثبت التناقض في موقفك الفكري.
الإنسان مسؤول عما يفعله بإرادته العمدية، لا عما لا اختيار له فيه. ولهذا فضعف الضعفاء هو صفة من صفاتهم الطبيعية وليس ذنباً يشوب سمعتهم.
وسيم خوري في 15 يوليو 2010 - 07:55 ص كتب :
كما أنه لا قيمة لقولك بانّ الإسلام يخدع الضعفاء حين يوهمهم أن ضعفهم ناتج عن مصادرة الأغنياء لحقوقهم. لأنه لا يعبر بصدق عن موقف الإسلام من الضعفاء. فالإسلام يؤكد عكس ما تقول؛ يؤكد أن الضعف مقدَّر من الله وحاصلٌ بمشيئته.
لعلك نسيت قول علي بن أبي طالب:
"ما جاع فقير إلا بما متّع به غني"، وقول أبي ذرّ:
"عجبت لمن لا يجد قوت يومه في بيته كيف لا يخرج شاهراً سيفه ؟".
ونسيت كيف رفض علي أن يعطي جنوده علاوات لتحفيزهم على الحرب في صفّين، وقال:
"ويحكم! كيف اطلب النصر بالجور ؟".
وسيم خوري في 15 يوليو 2010 - 07:55 ص كتب :
العبارة الوحيدة الصحيحة هنا هي: "ولكني أقف بشدة ضد من يخدعهم بقول أن ضعفهم هذا هو نتيجة مصادرة الأقوياء لحقوقهم ــ كما يفعل اليسار .." فاليسار في الحقيقة يفعل هذا.
ولكنْ، هل تستطيع مع ذلك أن تثبت خطأ نظرية اليسار التي تقول بمصادرة الأغنياء لحقوق الفقراء؟
لا يمكنني أن أخطّئها 100%، فالرأسماليون ليسوا ملائكة ولكنهم أفضل بما لا يقاس من الاشتراكيين، الذين يحتكرون المال والسياسة معاً.