وربما يتفق المتنورون المسلمون مع سواهم في تقويم خطورة تجربة السلفية الجهادية ليس باعتبارها حركة اسلامية تستند في صميمها الى نصوص قرانية واحاديث نبوية بل لانها ايضا نتاج كبوة اجتماعية خطيرة اتاحت التوسع السرطاني لافكار السلفية الجهادية وجرائمها
وفيما سيكون حريا على المسلمين قبل غيرهم محاكمة هذا الاتجاه المغرق في تطرفه وخطورته فان تقييم اسباب انطلاق هذه الحركة وجذورها في الدين الاسلامي يتطلب هو الاخر اعادة البحث في قدرة الدين الاسلامي على انتاج التطرف الاجتماعي المدمر انطلاقا من قيمتين فضفاضتين في صميم العقيدة الاسلامية:
الاولى : عدم وجود اتفاق على تفسيرات محددة للنص القراني وعدم وجود شجاعة لمواجهة هذا النص ومحاكمته ايضا في القابل لانتاج التطرف الدامي
الثاني : الامكانية التي تتيحها منظومة السيرة النبوية والاحاديث والقصص المنقولة وايضا اتساع رقعة الاحاديث وتضاربها وهنا ايضا هناك عجز عن مواجهة هذه المنظومة ومحاكمتها.
لكن الفكر الاجرامي وان استعان بالنص المقدس فان له ابطاله ومنظريه وناقليه في سياق التفسير الفضفاض لانتاج مايقع اليوم بايدينا افكار لحركات ارهابية عبر العالم تستمد من النصوص الدينية (مختلف الاديان) قدرتها على اعادة صياغة فلسفة القتل.
وفكرة السلفية الجهادية اليوم اعتمدت على تصنيف ثنائي مغرق في التعميم يفرق بين مفهومي (حاكمية الله) و(جاهلية المجتمع).
والحاكمية بجوهرها ... هي اعادة صفة الحكم الى الله وتجريد القوانين الوضعية من صفتها اللازمة واتاحة الطريق لما يسمى الثورة الاسلامية على الشعوب التي تولد فيها ويكون شعار هذه الثورة هة"اعادة الحاكمية لله بعد ان استولى عليها البشر".
اما الجاهلية ... فهي ترتبط مفصليا بفكرة الحاكنية والثورة .. فالانقلاب الالهي يتطلب الاصطدام بالمجتمع وهنا تذهب النظرية الى ان المجتمعات الاسلامية اليوم هي ليست اسلامية بل هي تعيش مرحلة "ردة جاهلية" والثورة تبرر اعادة المجتمع الجاهلي الى السلام ...
عمليا السلفية الجهادية تنظر الى المجتمعات الاسلامية جميعها باعتبارها عدوة وكافرة وهي بذلك لاتفرق بين المسلم والمسيحي واليهودي والملحد في قيمة القتل
استمدت فكرة السلفية الجهادية الكثير من مبررات وجودها من اشكالية اسلامية عميقة تتعلق بمفهومي "الجهاد" و" المجتمع المسلم" وكلا المفهومان كانا مثار غموض وضبابية سوا على مستوى النص او مستوى الحديث او التفسير وكذلك على مستوى التنظير
وابن تيمية الذي كان دحض افكار سابقيه بقول ان كلمة "اشهد ان لا اله الا الله" تدخل الفرد الشخص والمجتمع في "دار الاسلام" ومنهم ابن حنبل والشافعي فقال ان الشهادة لا تكفي للدخول في الاسلام وانما تتطلب اثباتات وفعل .
ويبرر التاريخيون لابن تيمية هذا الراي بالقول انه كان مضطرا اليه لحث اهالي الشام على قتال المغول بعد سقوط بغداد وبعد ان ادعى المغول اسلامهم وبالفعل اجاز ابن تيمية لاهالي الشام قتال المغول .
لكن تطور النظرية الى ماوصلت اليه اليوم في فكر القاعدة كان المسؤول الاساسي عنه هو رجل دين هندي الاصل اسمه ... ابو الاعلى المودودي
نبذة عن المودودي:
ولد أبو العلا أحمد حسن المودودي في سبتمبر 1903 بمقاطعة حيدر أباد الهندية وفي العام 1932م كان قد برز كمؤلف صحفي وخطيب. وفي الأربعينيات شرع بالتفكير في مستقبل المسلمين في الهند، حيث كان هناك من لا يرى مشكلة في ذلك باعتبار المسلمين جزءاً من المجتمع الهندي الذي يقود حركة الاستقلال تحت راية حزب المؤتمر وإنشاء دولة ديمقراطية علمانية يتعايش فيها اتباع جميع العقائد المختلفة وكانت هناك دعوة أخرى لاقامة كيان إسلامي متميز في إطار الدولة الهندية، لكن أبو العلا تبنى اقامة دولة تميز المسلمين بقومية إسلامية تكون نواة للبعث الإسلامي في مواجهة القومية الهندية..
رفض المودودي القومية الهندية القائمة على وحدة الأرض والمصلحة السياسية الواحدة، كما رفض الديمقراطية لأنها تقوم على حكم الأغلبية لأن الأغلبية هناك للهندوس وليست للمسلمين، كما رفض العلمانية لأنها لا تتيح للمسلمين التميز بقومية حضارية.
ولكي لا يستقطب المسلمون من قبل حزب المؤتمر أو حزب الرابطة الإسلامية عمد المودودي إلى انشاء تنظيم خاص فأسس عام 1941م الجماعة الإسلامية، في الهند وبعد انفصال باكستان عــن الهند عام 1947م وأنشأ حزب الرابطة الإسلامية دولة للمسلمين كان المودودي قد انتقل إلى هذا الجزء من الأرض، وبدأ بعد ذلك الصراع بين " الجماعة الإسلامية" وحزب الرابطة الإسلامية فهذا الأخير يريد" باكستان" دولة للمسلمين" بينما تريدها" الجماعة الإسلامية " دولة إسلامية" وفقاً لتصورها الخاص، وظل الرجل في حالة صراع مع الدولة الباكستانية حتى وفاته في سبتمبر 1979.
وابو العلاء المودودي، يعد عمليا المنظر الاكبر لـ «فقه العنف» في خطاب الاسلام السياسي فقد عثر اصوليو الاقصاء على مبررات «مقدسة» توفر لهم حالة رضا عن النفس وتمنحهم تزكية «شرعية» توهمهم انهم معصومون من ذنب قتلاهم ـ ضحاياهم، بل تعدهم جندا «مقدسين» ينفذون أوامر الله لا افكار المودودي أو سيد قطب أو نبيل البرعي أو الشيخ عبد الرحمن أو ابي مصعب السوري..
الجاهلية والتكفير
المودودي انفرد عن سابقيه من أعلام " الصحوة الإسلامية" بوصف واقع المسلمين ومجتمعاتهم بالجاهلية.. وحكم عليها بالكفر.
وارجع المودودي أسباب عودة مجتمعات الإسلام إلى " الجاهلية" إلى رافدين، جاهلية وافدة من الغرب، وجاهلية موروثة بدأت من عهد الخليفة عثمان، كما قال المودودي بالحاكمية التي تعني عنده الدولة الدينية.
وكان علماء المسلمين قبل المودودي رفضوا قول الشيعة الذي يعتبر الإمامة من أركان الدين كما رفضوا أن يكون " الإمام" منصباً دينياً يتولاه من يدعي أنه تولاه باسم الله.. وقالوا أن الإمام تختاره الأمة ولها حق عزله إذا أضر بها كما قالوا أن الجاهلية فترة ذهبت بمجيء الإسلام وانتهت ولا تعود..
عاش المودودي وأنشأ جماعته وبلور أفكاره في الهند
والهند عند المودودي لا يمكن أن تقام عليها دولة موحدة الأرض على أساس العلمانية والديمقراطية والقومية الهندية لأن ذلك كله يذوب المسلمين في هذه الدولة التي تسود فيها الأغلبية، الهندوكية، وبالتالي يجب أن تقام"دولة إسلامية" تزيل الجاهلية وتفرض" حاكمية الله" وهذا هو الحل الذي يقدمه المودودي للحالة الهندية.
الجماعات الإسلامية العربية ف منذ سيد قطب في الستينات تبنت فكر المودودي ونقلته من مجتمع الهند إلى المجتمع العربي فصارت الحركات الإسلامية العربية تحكم على المجتمع المسلم أنه " جاهلي" وتدعو إلى " الحاكمية" وترفض "الديمقراطية" وتكفر الدولة والمجتمع والأفراد.
الحركات الاسلامية
اهدافها :
الدعوة إلى استعادة نفوذ الإسلام وسلطته في العالم
هذا الهدف لن يتحقق الا العودة إلى الإسلام الصحيح الذي تخلى عنه مسلمو هذا الزمان.
أن استعادة سلطة الشريعة غير ممكنة دون إقامة دولة إسلامية حقيقية
استعادة سلطة الإسلام هي مهمة مقدسة يجوز في سبيلها انتهاج كل وسيلة
التيار السلفي
منظّرو التيار يحكمون بكفر الانظمة والأمة وجاهلية المجتمعات الاسلامية.
وتذهب السلفية الجهادية الى أن النموذج السياسي الاسلامي في الحكم ليس الاّ نموذج "الخلافة الاسلامية" التاريخي، وتحشد لإثبات ذلك العديد من الآيات والاحاديث الدالّة على وجوب اقامتها،
النظر الى الاسلام على أنه عقيدة وشريعة ونظام حياة، بغضّ النظر عن الزمان والمكان والبيئة والظروف، أي شمولية العقيدة والشريعة لمناحي الحياة كافة؛
الولاء هو للعقيدة وللاسلام، وليس للمسلمين، أو للوطن، أو لأي افكار بشرية أو وضعية، كالاشتراكية والليبرالية والقومية والعروبة والديموقراطية والحرية والعلمانية، وما شاكلها.
الاطار الفكري
الحاكمية لله، جاهلية المجتمع، كفرانية النظم، الجهاد سبيلاً للتغيير.
الحاكمية لله :
ازدهرت الفكرة في النصف الثاني من الستينات على يد سيد قطب، الذي استعار المفهوم من أبو الاعلى المودودي، الذي يُعتبر اول مَن أدخل هذا المفهوم في الاستخدام السياسي المعاصر، كأداة سياسية واجتماعية.
جاهلية المجتمعات
ربط المودودي بين مفهومي "الوحدانية" و"الاستخلاف"، ليخلص الى إخفاء الطابع الإلهي والقداسة الدينية على السلطة، والتأسيس لمفهوم "الحاكمية الإلهية". فهو يعتبر أن الدولة الاسلامية تقوم على اساس "حاكمية الله الواحد الأحد"، ذلك "أن الارض كلها لله وحده، وهو ربها والمتصرّف في شؤونها. فالحكم والامر والتشريع كلها مختصة بالله وحده، وليس لفرد أو اسرة أو طبقة أو شعب، بل ولا للنوع البشري كافة شيء من سلطة الامر أو التشريع. فلا مجال في حظيرة الاسلام ودائرة نفوذه، الاّ لدولة يقوم المرء فيها "بوظيفة خليفة الله"
المجتمع الجاهلي
يعرف المودودي هذا المجتمع بانه ه المجتمع الذي ينهض بنيان السياسة والدولة فيه على دعامة "حاكمية البشر"، سواء كانت حاكمية فرد أو أسرة أو طبقة أو جمهور.
وهذا المجتمع هو مصدر لكل الشرور والرذائل، لأن الانسان يستقل بشؤونه، ويختار منهاج حياته، بدون رادع يردعه، أو زاجر يزجره "فهو قائم بأمره، وهو الذي يتولى التشريع والتقنين لنفسه، وبيده كل زمام أمره، وإن كان مسؤولاً أمام أحد، فبين يدي نفسه وشهواته وأهوائه ويستند الى النص القرآني "ومَن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون".
الجهاد المسلّح
هو وسيلة التغيير فالقتال والجهاد،حسب المودودي ومن ثم سيد قطب هو فرض علي عين كل مسلم من اهل هذه البلاد المحكومة بغير شرعية الاسلام، لازالة السلطان الكافر (الطاغوت)، بل وقتال الاجهزة الامنية من شرطة وجيش وحرس، وغير ذلك من انصار السلطان، حتى ولو كانوا مسلمين.
وتطور المفهوم على يد الظواهري لاحقا في تاسيس عقيدة تنظيم القاعدة بالقول ان "الإقرار بالديموقراطية هو إقرار بمنح حق التشريع لأحد من دون الله، ومَن أقر بهذا فهو كافر، ومَن شرّع للبشر شيئاً، فقد نصّب نفسه الهاً، ومن أقر له بهذا فقد اتخذه إلها. ومن هنا تحريم الديموقراطية واعتبارها دينا جديدا يجب محاربته.
المودودي منظر اسلامي يستحق المحاكمة الفكرية من المسلمين قبل سواهم وهو وسيد قطب وصولا الى الظواهري وابن لادن والزرقاوي امثال حية على وجود خلل منهجي وفكري في صميم الدين الاسلامي يحتاج مراجعة حقيقية ليس على مستوى التبرير وانما باحداث الثورة الحقيقية في النص والحديث نزولا عند افكار المفكر جمال البنا وعدد من دعاة اقصا الحديث الاسلامي
ملاحظة : هذا الاستعراض ليس موجه الى طائفة في الدين الاسلامي بل هو موجه الى المتنورين الاسلاميين الذين تحكمهم مسؤولياتهم الاجتماعية بمحاولة البحث عن الوهن والضعف في النظرية السياسية للاسلام وقدرة هذه النظرية على انتاج الجماعات الارهابية
لكم كل الحب والتحية
------------------------------------------------
-مصادر ارشادية
- أبو الأعلى المودودي، الإسلام والجاهلية، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، د.ط، د.ت، ص41.
هلا رشيد – جريدة النهار
- الحركات الإسلامية وأثرها في الاستقرار السياسي في العالم العربي - مركز الإمارات للدراسات والبحوث والاستراتيجية
فرج ابو عشة – جريدة الشرق الاوسط

تسجيل الدخول
التسجيل
المساعدة

اقتباس