تحياتى ..
إنكى ...
حياد ...
الهجام ...
تحية طيبة .
*** اللذة والألم مرة أخرى .
لعل هذا التأمل قد تطرقت له بشكل أو بأخر فى المداخلة سابقة ..ولكن أرى أنه من الأهمية بمكان أن نستفيض فيه بشكل جيد دون أن أصل بكم إلى الملل .
ما هو الدافع للتفكير ؟
وما الذى يجعلنا نفكر ؟
ولماذا كل الفلسفات والأفكار والنظريات ؟
الإنسان لا يفكر إلا تحت ضغط الحاجة ..والعقل لا يفكر إلا لتلبية إحتياجات مشاعره وأحاسيسه .
فلا توجد فكرة بدون إحساس يسبقها ..والعقل لا ينتج أفكار من ذاته بل يكون إنتاجه للفكرة تحت وطأة تلبية مشاعره وأحاسيسه وإنفعالاته .
لو مسكنا إناءا ساخنا سنحس بالألم من لسع الحرارة لأناملنا ..ومن الشعور بالألم لا نتجنب لمس الأوانى الساخنة فحسب بل ستعمل ماكينة العقل هنا على تجنب وتفادى الألم .
سيبدع العقل فكرة صنع مقابض خشبية أو من لدائن بلاستيكية للأوانى حتى نستطيع مسكها وهى ساخنة .
إذا لولا الألم المصاحب للمس الأنية الساخنة ما كنا فكرنا فى إبداع المقابض العازلة للحرارة .
نحن نشعر بالألم من جراء الجوع ..نتغلب على جوعنا بإلتهام النباتات وجذورها , وتحت وطأة الألم الناتج من الجوع المستمر بدأنا نفكر أن نزرع الأرض لتنتج لنا إنتاج مستمر من الحبوب والبذور .
وتحت ألم الجوع أيضا وكيفية التغلب عليه دفعنا ماكينة العقل إلى المزيد من التفكير والإبداع لتنتج لنا أفكار هائلة لزيادة الإنتاجية الزراعية للمحاصيل ودراسة الأفات التى تهدد مزروعاتنا ..وعليه أنشأنا مراكز البحوث والدراسات التى تتناول علوم النبات والمحاصيل والأفات والأسمدة .
إذن كل إبداعات العقل الإنسانى جاءت وليدة رغبته فى التغلب على الشعور بالألم من الجوع .
الإنسان كائن بيولوجى متطور ..يمتلك جسده بكل حواسه وأحاسيسه ..ويكون تفاعله مع العالم المادى من خلال هذا الجسد .
يمكن إختزال فكرة الإنسان فى كونه كائن يعيش متأرجحا ما بين اللذة والألم فمهما تعقدت أمور الحياة وبدت لنا أنها شديدة التعقيد فلن تخرج عن الرغبة فى اللذة ومحاولة تجنب الألم .
تحت وطأة الألم واللذة يعمل العقل فى هذا المضمار ولا ينتج أفكار إلا لمحاولة تعميق اللذة وإزالة الألم ...فلا توجد أفكار ينتجها الدماغ تأتى من الفضاء بل كلها تخدم مجمل مشاعره وأحاسيسه وإنفعالاته .
إنتاج الأفكار لا تقف على مجمل الظروف المادية التى يحتك بها الإنسان بل تتعدى هذا الأمر لتمد مظلتها الفلسفة والمعتقدات والأديان .
الفلسفة والمعتقدات والأديان أفكار لم تأتى من الهواء بدون أن تفى حاجتى اللذة والألم فكما ذكرنا سابقا فلم ولن تنتج فكرة فى الذهن البشرى بدون أن تحركها وتدفعها المشاعر والإنفعالات والاحاسيس .
لا أتصور إنساننا البدئى جلس على ربوة عالية يتأمل السماء ويفكر فى قضية البعرة والبعير ..هو لم يجلس ليفكر بدون أن يقع تحت وطأة ألم محدد ., وبدون هذا الألم لن يستنزف دقيقة من وقته فى التفكير فى أمر لا طائل من وراءه .
فكرة الإله لم ينتجها الإنسان إلا تحت تأثير إضطراب مشاعره وإنفعالاته ..ولا تخرج بأى حال من الأحوال عن قضية تجنب الألم والبحث عن اللذة .
فإذا كان الإنسان الحديث قد طوع الطبيعة لتلبية إحتياجاته من الغذاء والتغلب على الجوع من خلال التكنولوجيا والخبرات العلمية التى جعلته يبنى السدود للتغلب على الفيضانات الكاسحة وكذلك إنتاج الأسمدة التى تزيد من الإنتاج الزراعى والمبيدات التى تتغلب على الأفات التى تنازعه فى طعامه ..فإن الإنسان القديم لم يختلف عنا فى الإستراتيجية العامة وإن إختلف بأفكاره وقدرته المعرفية أى فى تكتيكاته .
فهو لم يجد حيلة أمام الفيضان إلا بتشخيص كائن قوى مثله مثل الطبيعة فى درء هذا الخطر الذى يهدد زراعته .. فتصور أن هذا الإله يكون بديلا عن الأسمدة فبرضاه تكون البركة بديلا عن عجزه المعرفى للسماد ..ولعنته هى السماح للأفات والحشرات أن تأكل الزرع والحرث وعليه أن يقدم القرابين بديلا للمبيدات التى لم يعرفها .
من الممكن أن نمد الأمور على إستقامتها لنصل فى النهاية أن أى فكرة لم تأتى إلا وليدة وإحتياج فعلى لتجاوز الألم والشعور باللذة .
لو لم يكن الجوع ألما لما خلقنا التكنولوجيا والألهة التى تعبر بنا هذا الشعور .
لو لم يكن الفيضانات والأعاصير والزلازل ألما يغمرنا بكم لا بأس به من المشاعر والأحاسيس المؤلمة الحزينة لما إبتكرنا السدود والألهة التى تحفظنا من هكذا بشاعة ألم .
لو لم يكن الخوف شعور وإحساس يقلقنا لما صنعنا ألهة وأسوار حول منازلنا .
لو لم يكن الموت إحساس وزلزال يهز نفوسنا لما خلقنا الإله الذى يعبر بنا عالم الموت .
الإنسان كائن بيولوجى يمتلك مجموعة من الحواس التى تجعله يتلمس الطبيعة والوجود ..ومن خلال تلمسه لها يصيبه الألم كما يحظى على اللذة .
يكون منهجه الحياتى منذ الإنسان البدئى وحتى الأن هو كيفية أن يحظى على اللذة وكيف يتجنب الألم .
ولا تكون هناك وظيفة للدماغ غير ذلك ..فهى لا تنتج أفكار وإبداعات إلا لتلبية هذا المطلب الوحيد والمكلفة به حسرا .
تتعقد وسائل الحياة ولكن لن تخرج وظيفة الدماغ عن هذا المطلب الوحيد .
الله فكرة أنتجها العقل البدئى نتيجة عجزه المعرفى لتلبية رغباته وأحاسيسه فى الحصول على اللذة وتجنب الألم .
أرجو أن أكون قد أوفيت هذه الفكرة حقها .
دمتم بخير ...